الشيخ محمد الصادقي الطهراني
363
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
نوح في رسالته هنا انتقالة بارعة من دلائل الايمان إلى واقع الايمان الذي جاء بها رسل الايمان ، وما واجههم الطغاة المستكبرون على مدار الزمان طول خط الرسالات منذ نوح إلى خاتم النبيين ، وهم يحملون رسالة واحدة إلى أمم هم في الحق أمة واحدة ، حيث الدعوات الرسالية صيغة واحدة في الجذور مهما اختلفت في بعض الصور والقشور ، قضية مختلف الظروف والابتلاءات في مختلف العصور . وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ 23 . « نوح » هو أول نبي من أولى العزم الذين دارت عليهم الرحى ولقد اختصت باسمه سورة تحدثنا عندها عن مدى رسالته ودعوته الصعبة الصارمة ، وتصدّيات وعرقلات قومه العارمة ، وهذه الدعوة التوحيدية هي إجمال عن كل تفاصيل دعوته المفصلة في آياتها . هنا « اعْبُدُوا اللَّهَ » وفي هود « أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ » * والأولى لا يستلزم الثانية ، فإنها نص في توحيد العبودية وتلك مطلقة ، وليست مقالة نوح لقومه الا التوحيد ، فما هو التوفيق ؟ المشركون كانوا ولا يزالون يعبدون غير اللّه ولا يعبدون اللّه لا توحيدا ولا اشراكا ، واطلاق الإشراك على عبادتهم لا يعني الجمع بين العبوديتين ، وانما لأنهم يعبدون من لا يستحق ، كأنه اللّه الذي يعبد ، فهي إذا إشراك في أصل استحقاق العبادة لا من حيث واقع الشركة ، فاللّه - في زعمهم - شريك في الاستحقاق ، وليس له نصيب العبادة في الواقع حسب الزعم انه أعظم من أن يعبد بنفسه ، فليعبد شركاءه : « ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى » فلو كان يصح عبادته لم تصح عبادة غيره . ثم « ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ » قائم مقام ذلك الحصر « أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ » وحتى بالنسبة لمن